السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

47

مختصر الميزان في تفسير القرآن

في مثل المورد بالنسخ وهو ظاهر ، وخاصة في مثل سورة المائدة التي ورد فيها أنها ناسخة غير منسوخة . قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، الإتيان في متعلق الحكم بالوصف أعني ما في قوله : « الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » من غير أن يقال : من اليهود والنصارى مثلا أو يقال : من أهل الكتاب ، لا يخلو من إشعار بالعلية ، واللسان لسان الامتنان ، والمقام مقام التخفيف والتسهيل ، فالمعنى : إنا نمتن عليكم بالتخفيف والتسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم والمحصنات من نساء أهل الكتاب لكونهم أقرب إليكم من سائر الطوائف غير المسلمة ، وهم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتوحيد والرسالة بخلاف المشركين والوثنيين المنكرين للنبوة ، ويشعر بما ذكرنا أيضا تقييد قوله : « أُوتُوا الْكِتابَ » بقوله : « مِنْ قَبْلِكُمْ » فإن فيه إشعارا واضحا بالخطط والمزج والتشريك . وكيف كان لما كانت الآية واقعة موقع الامتنان والتخفيف لم تقبل النسخ بمثل قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ( البقرة / 221 ) وقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ( الممتحنة / 10 ) وهو ظاهر . على أن الآية الأولى واقعة في سورة البقرة ، وهي أول سورة مفصّلة نزلت بالمدينة قبل المائدة : وكذا الآية الثانية واقعة في سورة الممتحنة ، وقد نزلت بالمدينة قبل الفتح ، فهي أيضا قبل المائدة نزولا ، ولا وجه لنسخ السابق للاحق مضافا إلى ما ورد : أن المائدة آخر ما نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فنسخت ما قبلها ، ولم ينسخها شيء . على أن قد عرفت في الكلام على قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الآية ( البقرة / 221 ) ؛ في الجزء الثاني من الكتاب أن الآيتين أعني آية البقرة وآية الممتحنة أجنبيتان من الدلالة على حرمة نكاح الكتابية .